عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
457
اللباب في علوم الكتاب
أنّه أخذ من زان الثّلاثي ، وبني للمفعول ، فأعلّ بما قد عرفته في أول البقرة « 1 » . واللام من قوله « لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » متعلّقة ب « زيّن » ، وكذلك اللّام في قوله : « ليردوهم » . فإن قيل : كيف تعلّق حرفي جر بلفظ واحد وبمعنى واحد بعامل واحد ، من غير بدليّة ولا عطف ؟ فالجواب : أن معناهما مختلف ؛ فإن الأولى للتّعدية والثّانية للعلّيّة . قال الزمخشري : « إن كان التّزيين من الشّياطين ، فهي على حقيقة التّعليل ، وإن كان من السّدنة ، فهي للصّيرورة » يعني : أن الشّيطان يفعل التّزيين وغرضه بذلك الإرداء ، فالتعليل فيه واضح ، وأمّا السّدنة فإنهم لم يزيّنوا لهم ذلك ، وغرضهم إهلاكهم ، ولكن لما كان مآل حالهم إلى الإرداء ، أتى باللّام الدّالّة على العاقبة والمآل . فصل في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية كان أهل الجاهليّة « 2 » يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر والتّزويج ، واختلفوا في المراد بالشّركاء . فقال مجاهد : شركاؤهم شياطينهم أمروهم بأن يقتلوا أولادهم خشية الغيلة ، وسمّيت الشّياطين شركاء ؛ لأنهم اتخذوها شركاء لقوله - تبارك وتعالى - : أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ من دون الله [ الأنعام : 22 ] . وقال الكلبيّ : الشركاء سدنة آلهتهم وخدّامهم ، وهم الّذين كانوا يزيّنون للكفّار قتل أولادهم ، وكان الرّجل يقوم في الجاهليّة فيحلف باللّه إن ولد له كذا غلاما لينحرنّ أحدهم ، كما حلف عبد المطلّب على ابنه عبد اللّه ، وسمّيت السّدنة شركاء كما سمّيت الشّياطين شركاء « 3 » في قول مجاهد ، وقوله « ليردوهم » الإرداء في لغة « 4 » القرآن الإهلاك إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [ الصافات : 56 ] . قال ابن عبّاس : « ليردوهم في النّار » « 5 » واللّام ههنا لام العاقبة ؛ كقوله : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] . « وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ » أي : يخلطوا عليهم دينهم . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : ليدخلوا عليهم الشّك في دينهم ، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشّياطين . قوله : « وليلبسوا » عطف على « ليردوا » علل التّزيين بشيئين :
--> ( 1 ) الآية : 11 . ( 2 ) ينظر : الرازي 13 / 169 . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 89 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ . ( 4 ) ينظر : الرازي 13 / 169 . ( 5 ) ذكره الرازي في « تفسيره » ( 13 / 169 ) عن ابن عباس .